Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

 

بضع قطرات ندى كانت تنام فوق العشب و البدر في السماء يرسل عليها ضياءه، أوراق طرية من نبات سرخسي تتمدد باسترخاء، ومن بعيد كانت بقايا سحابة رمادية تزحف باتجاه الغروب..جناذب تدشن الليل بزغاريدها المنبعث من الأشجار، ونجوم في السماء تومض في سعادة و تثرثر فرادى و جماعات..

 

 ارتخى القنفذ النائم في تغر شجرة السنديان ومط يديه من تحت الشوك ورجليه، و انقلب على ظهره ووسع حدقتيه المشبعتين بالنعاس، لقد ابتدأ ليل جديد،..مد رأسه الصغير  و شاهد السماء الهادئة و خيشومه الندي يلتقط راوائح الليل الباردة..لم تصله رائحة مزعجة قد تكون لقط بري أو تعلب ماكر، تلك الروائح التي تجعل شوك يقف ،و عضلات ظهره تتقلص، و ضربات قلبه تشتد، و تجعلة مستعدا في لحظة برق للتكور على نفسه..

 

روائح النباتات الليلية يعبق بها المكان أشعرته بالراحة...أحس بالجوع، و أطلق  لخيشومه العنان يبحث عن روائح اليرقات الطرية والحلزونات الصغيرة..تجول بين الأشجار طويلا و لم يجد عناء في مصادفة الطعام، فقد كان فصل الربيع وكل الكائنات تتوالد بسخاء، حتى اللحظة التي مرت من تحت رجليه نملات مسرعات جعلته يحس بالفزع العظيم..عندها أطلق الخطو هاربا ووسع حدقتيه وفي داخله شعور بقرب النهاية وصور عذابات النمل التي حدثته عنها القنافذالعجوزة. لكن عوض ان يتخلص من بضع نملات ماجنات  وجد نفسه وسط مستعمرة نمل أسود..هاج النمل و ماج تحت وطأت القنفذ السمين، فأطلق صرخة فزع و هو يسمع النملات يقلن : "أمسكوه أمسكوه..إنه سمين".. أطلق ساقيه الباردين للريح بأقصى ما يستطيع ، و كانت النملات تتهاوى من على قدميه كأوراق الخريف..كان النمل عنيدا، فواصل الركض وسط العشب القاسي فكان يسمع ارتطام النملات على الأرض وفرقعات تهشم عظامهن..

 

لهث طويلا عند حافة النهر، و وسع حدقتيه في الماء و شعر بالإشفاق، وكاد أن يبكي على ضعفه الذي يجعل نملات حقيرات يهددن حقه في الحياة..كان الماء ينساب انسيابه الليلي و موسيقى رقرقاته توحي أن السلام في كل مكان، و على الجنبات الموحلة تنق الضفاضع و تنادي بعضها بعضا، قبل أن تقفز الى الماء بدلال العاهرات..لكن شيئا ما كان لا يزال يتحرك في ظهره بشكل غريب..حرك شوكه ذات اليمين ثم ذات الشمال ، و تكوم على نفسه و أرخى السمع ...واصل الإزعاج المسير فتأكد أن سلامة النجاة لم تتم، و أن المحظور قد وقع..

 

قضى طول الليل يصارع دغدغاتها، و هي تتجول تائهة بين الأشجار..قضى هو وقتا طويلا يصلي و يتضرع ألا يكون ما في ظهره نملة جائعة..كان يسمع وقع أقدامها و استطاع سماعها و هي تلعن السماء و حظها العاثر الذي قادها الى غابة من الأشجار الغريبة السوداء التي تفوح منها رائحة اللحم الطري..

 

كانت النملة تتسلق شوكه الواحدة تلو الأخرى، لكنها في القمة لا ترى سوى غابة سدر شائكة مترامية الأطراف..كانت تفزع عندما تتحرك الجذوع و الأغصان، فكانت تصرخ مرتعبة من أن تكون في مملكة الأشباح، و تستسلم لنحيب طويل خافت..كانت لا تدري لم الغابة تتحرك و الأغصان تتلوى و ليس هناك ريح،  فتتذكر القصص المرعبة التي كانت تسمع بها من أخواتها النملات عن كائن مرعب إسمه سليمان كان له سبعة آلاف رجل، و في كل رجل حذاء عظيم...وما كان يزيد من رعبها، و يجعل البول ينفلت منها، أنها كانت تسمع صوتا كصوت الريح ينبع من تحت قدميها و طرقا عظيما يتردد من الأعماق..قالت النملة و هي تبكي : يا الله .أين أنا ؟

 

كان القنفذ يتتبع مسار النملة على ظهره و يحاول الا يقوم بحركات مفاجئة قد تجعلها تغضب و تفكر تشرع في التهام جلده ..كان متفائلا أنه لا محالة ستقرر أن تقفز الى الأرض و تتركه بسلام..أقصى حالات التوتر كانت تنتابه عندما  تتمشى النملة قرب ذيله، و يعرف هو أن تحت ذيله ممر خطير لا ينبغي لأي نملة عاقلة أن تدخله ..لذلك قرر بسرعة التصرف حتى لا يحصل المكروه..اعتصر أمعاءه بحثا عن بقايا متخمرةمن طعام الأمس، و أخرج من ثقبه صوت النفير الشجي و هو يأمل أن تعرف النملة أنها في مكان لا ينبغي أن تتواجد فيه..

 

سمعت النملة صوتا ضخما يهدر من تحت أقدامها، و بعدها فاحت حولها رائحة مقرفة تشبه رائحة" آكل النمل" جعلتها تعدو هاربة و قلبها يأكله الندم على أنها لم تكن تصدق حكابات صوحيباتها عن النفير الذي يطلقه سليمان العظيم و هو يهز الأرض بأحذيته اللامتناهية..و عندما ابتعدت أقصى ما تستطيع عن مكان الإنفجار، تهاوت الى جذع شجرة و قد غلفها القلق الوجودي و قالت في نفسها : ربما هذا يوم القيامة قد حان ، و أنا الآن في البرزخ ..ثم تضرعت باكية و قالت : اللهم اغفر ذنوبي إنك أنت السميع العليم..

 

بعد يوم و ليلة من العذاب و الإنتظار، ومحاولات السكون و التكور، و التمرغ في التراب، و الإحتكاك بجذور الأشجار..أخذ الأمل يتبخر شيئا فشيئا في نزول النملة من على ظهره..بل أصبح يحس في ظهره بوخزات متفرقة، تحولت بعد ذلك الى آلام حادة فضيعة..كانت النملة قد تعودت مقامها، و استطاعت بعد أن هدأ عنها الجزع أن تكتشف أن ما تحت رجليها من أرض يؤكل ترابه، و في بعض الزوايا ينمو عشب طري له طعم الجناذب الميتة..فأخذت تزجي عنها الوقت الكئيب بقضمة من هنا و قضمة من هناك..لكنها لم تستطع أبدا أن تفهم سر ذلك النفير الذي ينبع فجأة من الأعماق و يهز الأرض من تحتها ، وذلك البخار الكثيف من رائحة "آكل النمل" الذي يخنقها و يرغمها على الهروب..قالت ربما ذاك هو الجحيم حيث تعذب النملات الفاسقات.. 

 

في الليلة الثالثة، كان القنفذ قد امتنع عن البحث عن الطعام ، و لازم جحرة تحت شجرة السنديان، و في كل أنحاء ظهرة ألم حارق لا يهدأ..فكان كلما اشتد عليه الألم يرفع نظره الى السماء و يصلي، أو يتجه الى حافة النهر كي يشاهد وجهه الشاحب و يتحسر على حظه العاثر..

 

في اللليلة الرابعة، كان يصعب عليه التمييز بين دبيب النملة و آلام قضماتها و بين اعتصارات قلبه الحزين و التوائات معدته التي لم يصلها الطعام منذ ثلاث ليالي، حتى أنه لم يعد يجد في أحشائه ما يطلقه من غازات التحذير.. ورغم أن النملة لم تعد تأتي كثيرا الى ذيله، فقد تيقنت هي الأخرى أنه مكان السعير، حيث تلقى النملات الفاسقات الزانيات جزائهن ، فكانت تفزع عندما تتخيلهن معلقات من رموشهن و نهودهن..و جائت الى ذلك المكان تقف في مكان بعيد و  تطلب لهن الغفران..

 

في الليلة الخامسة ، جرجر القنفذ رجليه نحو النهر بما تبقى لديه من جهد، و سكب دمعتين على وجهه المنعكس في  الماء، ثم مع تنهيدة أخيرة  ألقى بما ما  فيه من جسد و ترسب بهدوء في الأعماق..سمعت النملة صوت الإرتطام ففزعت و هربت في كل مكان، لكنها  وجدت نفسها تطفوا فوق الماء . عندما سمعت نقيق الضفاضع و رأتها تقترب منها تسبح بسلام،  تيقنت الى ما لا نهاية أنها في  السعير، فقالت و قلبها مطمئن بالإيمان : اللهم اغفر لي و لوالدي و لجميع النملات.آمين 

 

    

رشيد عنتيد

09.09.2011

 

c43bre13.gif

 


Partager cet article

Repost 0