Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

       

إن اعتبار النصوص التراثية مكتسب إنساني في المجمل، و كذا اعتبار الفرد هو الأصل في الوجود و الجماعة تمظهر كمي له، يفضي بنا إلى اعتبار حرية الإعتقاد من صميم خصوصية الفرد..فالحاجة الى الإيمان هي حاجة نفسية نسبية موكولة لإختيار الحر مادام يتعلق الأمر بمجال ميتافيزيقي غير ممكن الحسم فيه بشكل قاطع، فيبقى المجال شأنا خاصا يتحمل فيه الفرد مسؤولية إيمانه أو عدم إيمانه مرتبط بالجزاء الأخروي المفتوح على احتمالات الجنة و النار: لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي.

 

فمجال المطلق مفتوح على زمن ما بعد الموت، وبما أنه زمن غير محسوم في وجوده و في طبيعته فإنه لا يمكن فرضه على الآخر ضدا على اختياره العميق، كما أنه لا يمكن توسيعه ليشمل المجال العام بخصوصيته التطورية و النسبية ،و على ذلك يعتبر الإنتماء الى الإسلام انتماءا عقلانيا بحكم الشريعة كقواعد معاملات و كقانون اجتماعي و ليس انتماءا عقائديا. فيكون المؤمن مسلما، الكافر مسلما ، المنافق مسلما، و حتى معتنقي الديانات الأخرى مسلمين..وهذا هو المعنى العميق لعالمية الإسلام

 

لذلك فالتعامل مع المكتسب الديني يهدف الى استنباط ما هو عقلاني فيه، و تثوير ما هو تاريخي من زاوية النافع حاليا ليصبح ملائما. و هذه المقاربة تقتضي لزوما نزع القداسة المفروضة على النصوص  حتى نتمكن من اختراق تاريخيتها و إعمال التثوير فيها بالتعديل والتأويل و الإلغاء اللازمين

 

يهدف التخلص من عائق القداسة التحرر من هاجس البحث عن مشروعية الإجتهاد، و استعادة الحرية المطلقة في فهم النصوص و اختبارها، وذلك لكي نتمكن من تحقيق تطورية الشريعة التي لا تكتسب قداستها إلا بالتبني الحر للأفراد كقانون اجتماعي. فتأنيب الضمير أو رهاب القداسة الذي يعتري المتعامل مع النص الديني يجب أن يزول، مادام أنه من اجتهد فأصاب فله أجران و من اجتهد فأخطأ فله أجر. هذا إضافة الى أن مصدر النصوص نفسه استعمل تقنية الإلغاء في النصوص التي أصدرها عن طريق النسخ، و عن طريق تأنيب  النبي، كمصدر تكميلي للتشريع، و دعوته الى تصحيح أخطائه و أغلاطه :يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك. وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة

 

إن اعتماد القرآن كمرجعية أصلية نصية و الإسلام كدين مرجعي، يعود الى اختيار عقلاني و ليس الى انتماء إيماني وراثي, باعتبار أن الإسلام يشكل الحلقة الدينية المتقدمة زمنيا و ما يشكل ذلك من تكثيف لباقي الديانات السابقة، و تثوير لها أيضا. بمعنى أن الإسلام يستحق زمنيا أن يتخذ كمرجعية دينية شريطة عدم الإحتكار و إبقاء قنوات التواصل تاريخيا بين الديانات لفهم حقيقي لسيرورة الإسلام في نشوءه

 

القرآن بصيغته الحالية الذي تم تجميعه على عهد عثمان بن عفان، يعكس في حقيقته "الظاهرة القرآنية" كما سماها محمد أركون، و هي ظاهرة غير مكتملة كما يسود الإعتقاد لسببين اثنين :

 

طريقة تدوين القرآن

و هي طريقة اعتمدت على الترتيب الإصطلاحي، و ليس الترتيتب الزمني الذي يميز بين الآيات المكية و الأيات المدنية، و أيضا بين الآيات الناسخة و الآيات المنسوخة..طريقة التدوين هاته تعطي الإنطباع بالوحدة الموضوعية للقرآن و هي طريقة تدوين مقصودة كان الهدف منها ،على الأرجح، تجنب فهم تاريخي للقرآن باعتبار الصراع السياسي آنذاك على السلطة بين عثمان بن عفان و مخصومه السياسيين و هو صراع الذي كانت النصوص الدينية إحدى أدواته

 

 ضياع الروايات الأخرى للقرآن، واحتمال ضياع آيات منه

حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يعقوب قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :(( لقد أنزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا فكانت في ورقة تحت سرير في بيتي  فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بأمره ودخلت دويبة لنا فأكلته)) المصدر : مسند أحمد، المجلد السادس : حديث السيدة عائشة رضي الله عنها

 

و قال كثير من السلف أن سورة الأحزاب كانت بمثل طول سورة البقرة، بمعنى أن احتمال ضياع آيات منها وارد كأية رجم الشيخ و الشيخة الذي اختلف السلف في ضياعها أو نسخها

 

 خلاصة

 

كل هذه المعطيات التاريخية تعطينا الإطمئنان بعدم جدوى القداسة أن لم نقل أنها لم تكن موجودة أصل،و أنها أضيفت إليها لاحقا بفعل الصراع السياسي. فإزالة القداسة ستحرر النص على نفسه و تفتحه على الإمكانيات المتعددة التي يختزنها، فيصبح بذلك قابلا للملائمة مع الواقع

 

فعمليات النحت و التنظيف الحاسمة و الصريحة التي يحتاجها الآن النص الديني ستؤدي لا محالة الى إزالة طبقات سميكة تراكمت تاريخيا من التقعر الفقهي و الإلتفاف الخائف على النصوص بسببه رهاب القداسة حتى انتهى الأمر الى جعل النص الديني مفارقا لطبيعته و جوهره. و بذلك يصبح تجديد الدين ممكنا و مستجيبا لحاجيات الفرد عوض أن يكون عائقا، و أيضا حتى تتحقق عالمية الدين لأنه سيكون منسجما مع ما توافقت عليه البشرية و اكتسبته بالتجرية و العلم، و ما تتجه إليه من تحقيق الإنسان الكوني خارج التمييزات الوهمية القائمة على الجنس أو العرق أو اللون أو الإنتماء الجغرافي أو الثقافي 

 

 

رشيد عنتيد

04.05.2011

 

liberte-de-pensee--.jpg

 


Partager cet article

Repost 0