Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

      مقدمــة

 يبدو السؤال الليبرالي باهتا في ظل التقاطب الحالي بين التوجه السلفي الديني بتنوعاته في الكثافة،  والتوجه اليساري بتنوعات كثافته أيضا رغم المظاهر الحداثية الليبرالية للدولة و السلوك الفردي الذي يتجه شيئا فشيئا الى التصرف بمقتضى حر، يتخذ مستوى وسطيا بين الحمولات التاريخية الدينية، و بين مستجدات الحضارة المعاصرة في جوانبها التقنية و التواصلية سليلة التوجه الليبرالي الإجتماعي الكوني.

 إذا كان السؤال الليبرالي يواجه النقد الكلاسيكي من المدرسة الإشتراكية، فهو يضاف إليه في خصوصيتنا التاريخية الإشكال السلفي باعتبار تجذره التاريخي النفسي في جميع الطبقات الإجتماعية و ما يشكله جانبه الدوغماتئ من عائق نحو الإعتراف بالفرد، وتهديد حريته المطلقة المصطدمة بحواجز المنع تحت طائلة انتزاع صفة الإنتماء  كمجال اجتماعي..

 العائق السلفي

 لا يعتبر الفرد في المنظومة السلفية سوى تابع للذات الإلهية، وجوده نابع من إرادة مطلقة سابقة عليه، و يجب عليه الإنضباط لها في خيرها و شرها، وحياته تهدف الى تحقيق الإرادة الإلهية بالإدخال الى الجنة، أو الخضوع للعقاب بالإدخال الى النار: "وما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون"..

 إذا كانت المدرسة الليبرالية لا تتعارض في جوهرها مع الدين، باعتباره إشباعا  لا يمكن إنكاره لحاجة الفرد الروحية لتفسير وجوده، الا أنها  الإنتماء الديني يبقى حرية خاصة بالفرد و علاقته بالخالق علاقة خاصة و حق خاص، و بالتالي لا يمكن الإعتداء على هذا الحق..إلا أن تمديد التصور الديني الى المجال العام المشترك و مايمثله من ضرورة تفسير النص الديني و ملائمة شموليته مع التنوع و التطور و البحث عن مطابقته للواقع المتغير و ما شكل كل ذلك من خطر  التباسه بصراع المصالح و المواقع، ، جعل المدرسة الليبرالية سباقة الى الدعوة الى فصل المجال الروحي الخاص عن الشأن العام لحماية حرية الفرد في الإعتقاد من جهة، و حماية طهرانية الدين من الإستعمال كذريعة للإستبداد و احتمال التضييق على حرية الفرد و اختياراته بمبررات مقدسة

 مجتمعاتنا استطاعت تبني الليبرالية في السلوك و الإقتصاد و تسيير الدولة، لكنها ظلت في العمق مجتمعات سلفية تتعامل بحساسية شديدة مع كل محاولات خلخلة المفاهيم أو قراءة المنتجات الدينية بمنهجية نقدية معاصرة، وذالك راجع الى سبيبن اثنين :

 التخلف التعليمي :

 كان لتسيس قطاع التعليم أثر فادح على عدم بلورة و تجذير قيم العقل المجرد بفعل الإرادة السياسية المتراخية و المتخوفة التي تنزعج و تتعامل بحذر مع محاولة بناء أجيال قادرة على التساؤل و الرفض مما جعل قطاعات واسعة  من المجتمع مقصية من الولوج الى الحق في التعليم، و حتى من كان له الحظ في ذلك كان يتلقى تعليما معلبا يخضع للمقاس السياسي هدفه بالأساس تخريج أطرا تقنية لإدارة دواليب الدولة.

 الترهيب الديني :

قام المشتغلون يالشأن الديني منذ القدم بإحكام إغلاق المجال الديني بالإجابات الفقهية الإجرائية التي تفترض مسبقا القبول بالمسلمات العقدية. و باستعمال سياسي غير محايد في الغالب، كانوا يضعون العوائق المعرفية و النفسية تمنع الافراد من الإشتغال بالتأويل تحت طائلة التعرض للعقوبات و التخويف بمخالفة الإرادة الإلهية، فكان الخروج من الملة و خشية حمل لقب الكفر، و توفر الإجابات الفقهية العامة يدفع بالأفراد الى تبني تعامل إيماني مع التناقضات و تسليم نهائي بها و اعتبار التسليم بالمتناقضات من دلائل الإيمان المدعم بذكاء روحي يدفع بعدم  المغامرة بالدخول الى النار، و بالتالي عدم الإغراق في التساؤل و الإكتفاء بالتبرير و الإلتفاف على التناقضات بدعوى الخصوصية الدينية و مطلق العلم و الفعل الإلهي.

 العائق الإجتماعي

 المدرسة الليبرالية تعطي الأولوية المطلقة للفرد و حريته و إرادته، و المجتمع ليس سوى تمظهرا جماعيا للفرد. فالليبرالية تحمي بالدرجة الأولى الفرد، باعتبار الإكراهات التي يفرضها المجتمع التي تصل الى حد الإستبداد، و استغلال الحاجة الفردية الى الإنتماء لفرض قيود بإسم الجماعة و التي هي في حقيقتها قيود الطبقة المسيطرة سياسيا و اقتصاديا. ففلسفة الأنوار التي مهدت لتحرر الإنسان من سطوة الإقطاع و الكنيسة هي فلسفة ليبرالية، و هي التي أعادت تشكيل مفهوم الدولة بناء على التعاقد الإجتماعي عوض الحكم المقدس و التفويض الإلهي . فإرادة الفرد لا يمكن إلغاؤها بالقهر الديني أو الإجتماعي، و انتماء للفرد للمجتمع يكون على قاعدة احترام حريته و إرادته، و بالتالي كانت الليبرالية هي سبب نشوء النظام الديمقراطي القائم على التصويت و المؤسسات المنتخبة، و نشوء الدولة المدنية القائمة على الانسان المجرد الحر

 أدى تطبيق مبادئ الليبرالية الكلاسيكية في الإقتصاد الى مآسي اجتماعية بسبب تطبيقات مبدأ حياد الدولة و سياسة السوق الحر، مما أدى إلى ظهور الإحتكار و استغلال الفرد في عمليات الانتاج. و بالتالي ضمور الطبقة الوسطى و ظهور إشكالات الفقر الهيكلي. وكانت مبررات المدافعين عن الليبرالية الإقتصادية الكلاسيكية هي أن الفقر و تكدس الثروات هي مظاهر طبيعية لإرادة الفرد و حرية المبادرة و بالتالي لا يمكن للدولة أن تتدخل لصالح مجموعة من الأفراد لصالح مجموعة أخرى، لأن الطبقات المتضررة هي مسؤولة عن وضعها المتدني اجتماعيا.

 هذا المأزق الغير "أخلاقي" الذي انتهت إليه الليبرالية هو الذي سيمهد الطريق لظهور المذاهب الإجتماعية أو ما يسمى بالإشتراكية "الطوباوية"، لتتدعم في الأخير بالمدرسة الماركسية التي قامت على نقد المدرسة الليبرالية و أصبحت تعطي الأولوية للجماعة عوض الفرد..

  إذا كانت الماركسية قد سلطت الضوء على خطر الحرية المطلقة و استبداد الإرادة الفردية، إلا أنها لم تحل المشكل العميق لعلاقة الفرد بالمجتمع، و بررت إنهاء حرية المبادرة و إرادة الفرد بتأويلات فلسفية للتاريخ و تضخيم دور الطيقات الفقيرة، و انتهى الأمر بالعودة الى استبداد الجماعة و اختناق الفرد بمبررات أخرى و أجواء أخرى صناعية و مدنية، عوض الاجواء الأولى الإقطاعية و الدينية

 الليبرالية الإجتماعية :

إذا كانت الماركسية لم تستوعب حقيقة حرية الفرد التي لا جدال فيها، و انتهى بها الأمر عدم قابليتها للتطبيق كنظام مؤسساتي ، إلا أن الليبرالية استطاعت التكيف و استيعاب "أسباب النزول " الماركسية، لتعطينا نظرية تعتمد على الإرادة الحرة و في نفس الوقت تعطي للجماعة الحق في التدخل لحماية الإرادة الفردية من المؤثرات الإقتصادية و الإجتماعية التي قد تهددها

هذا الأمر سينهي عهد الدولة المحايدة و يعطيها الحق في إدارة دواليب الإقتصاد لكسر الإحتكار و احترام حقوق العمال و تمكين الفرد من الولوج الى الثروة عن طريق السياسات الضريبية الموجهة و الإمتيازات الإجتماعية

 خلاصـــة

 إذا كانت التجربة الغربية للمدرسة الليبرالية قد مكنت من استيعاب البعد الإجتماعي كمرادف واقعي للحرية الفردية، إلا أن تطبيق المفاهيم الليبرالية في مجتمعاتنا يقتضي منا ابتداع إيجابات خاصة بنا للعائق السلفي، عن طريق استعادة حق الإجتهاد و التأصيل للدولة المدنية من داخل النصوص الدينية، و هي مهمة غير سهلة تقتضي توغلا عميقا في المرجعية الاسلامية، و استنباط مفاهيم جديدة تعطي تأصيلا حقيقيا لحرية العقيدة، و حرية الإيمان وحق الكفر،  بشكل يجعل المجال الروحي شأنا أخرويا خاصا بالفرد و ليس التزاما دنيويا، مما سيعطي حتما ديناميكية خاصة لتفسير النصوص ويمكن بالتالي اكتساح مساحات الغموض و التناقض في التفسيرات الكلاسيكية للدين

 

 

 عنتيد رشيد

26.04.2011

DSCN0298

 

 

Partager cet article

Repost 0