Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

همهم المؤدن في المكبر بحشرجته المعهودة ثم أطلق كلماته المصروخة كـنها إعلان حرب...فتح "ريجيس" عينيه في وسط الظلام و الملائة منحسرة عن قدميه..ظل يحدق في الظلام و قد حط فوق صدره ثقل ..خرج  كئيب من الفراش بسرعة و بحركة هائجة أغلق النافذة المشرعة فوق رأسه و هو يهمهم بالفرنسية ،" فيس دو بوت"...عاد بنفس السرعة إلى فراشه الدافئ لكن في داخله كان من المؤكد أنه لن يستطيع النوم مجددا ما دام لم بنته الضجيج..كانت المدينة نائمة إلا من سكارى تلفظهم أخر الحانات و المراقص المفتوحة،وفي أدراج العمارات متشردون متكومون، وحده المؤذن سيد السماء تولول كلماته مثل النحيب في الأجواء الباردة..
 بضع شيوخ يخرجون من الزوايا المظلمة و يزحفون كالمسرنمين في اتجاه بيت الله...
 
 كانت "ماتيلدا" تتلمس الأدراج في الظلام وهي تجر رجليها المثقلتين بالكحول، لا تتذكر أي طابق يسكن ريجيس و لا رقم شقته..كانت تصعد و هي تحاول عبثا كبح فرقعات كعب حذائها العالي.العلامة الوحيدة التي تهتدي بها إلى الشقة هي أن ترفع عينيها إلى السقف الزجاجي للعمارة و تكون هي في الطابق ما قبل
الأخير.منذ سنوات لم تعرف بالضبط في أي طابق يسكن،  فالمرات القليلة التي تأتي لزيارته تكون مخمورة فاقدة لحاسة الزمان و المكان.
 
كان ريجيس يتخلى بصعوبة من الألم القاسي الذي يسببه له آذان الفجر و هو يوقظه مفزوعا في أوج نومه العميق.لم يعرف أبدا لماذا عليه سماع ذاك الصراخ الكئيب و هو لا يؤمن بالصلاة...دقت على الباب دقاتها المعروفة، عندئذ داخله فرح لطيف فقد وجد أخيرا سببا يبقيه مستيقظا حتى يعود النعاس إليه من جديد. قال بصوت مكتوم و هو يفتح الباب
 - من ؟..ماتيلدا ؟
كان الأذان يتردد في العمارة بقوة كما لو أن الله نفسه ينادي للصلاة.." حي على الفلاح" قال المؤذن، قال هو في نفسه " حي على البراز"..
دخلت متهالكة، عندما أغلق الباب و استدار انهالت عليه بقبلة طويلة، ابتسم أخيرا ، عندها ذهبت مباشرة لتسقط في الفراش دون حراك.
اندس إلى جانبها و هي بالكاد تحركت لتفسح له المكان جانبها، عم صمت طويل إلا من أنفاسها المخمورة
- لقد غبت طويلا ماتيلدا
دمدمت تحت الغطاء ثم مالت إليه و أصبح وجهها مقابلا لوجهه، فتحت عينيها بكل الجهد الذي تبقى لها من عضلات وجهها ثم قبلته :
- يا حبيبي كنت في عطلة
- لم تزوري أباك
- هو أباك أيضا
-كان ذلك منذ زمن بعيد
 
فتح عينيه و شاهد خصلة شعرها الأسود تلمع تحت الضوء الخافت من النافذة ، تأمل عينيها المغمضتين الذابلتين تحت الماكياج الكثيف. استجمع الغطاء المتشرد من على كتفيها ، ثم عاد يحضنها مستسلما لعبقها السكران.. ارتعشت قليلا، ثم تمدد جسدها مستريحا في ساعديه الدافئتين، كانت تحس بوجهه قريبا من وجهها، أصبح تنفسهما واحدا، وما إن اقترب بشفتيه منها حتى غاصت في شفتيه يتقاسمان الحنان.
 
منذ خمس سنوات و سكان العمارة لا يعرفان عن ريجيس و ماتيبدا سوى أنهما يعيشان مع بعضهما هادئين أنيقين، لكن يتصرفان بشيء من الغرابة و اللامبالاة اتجاه الجيران الحائرين..عندما ماتت  أم ريجيس قرر أن ينتقل إلى العيش في حي "ماكدالي" ذي الشوارع الواسعة و النظيفة ، وواجهات المتاجر بماركاتها التجارية المشهورة ، و المقاهي الفخمة الرقيقة التي لا يسمع فيها إلا همسا،  تحادث الزبناء الأنيقين المهذبين.
 
بعد أن دخن سيجارة مع كأس الحليب، اندفع بحقيبته إلى الباب وفي وجهه بقايا نوم أزلي .. بعد أن قبلته عند الباب، عادت مسرعة الى الفراش الوثير.. تعرت بهدوء و أشعلت سيجارة و هي تتأمل الكراسي الجلدية البيضاء المتألقة تحت الشمس المتسللة ، كؤوس فاخرة شفافة موضوعة بعناية حول المزهرية البيضاء ذات الزهور البرتقالية، حول كل صحن صقيل سكين و فرشاة، وطاولة الزجاج السميك بشراشيفها الفضية أضفت مسحة البهاء الملكي..
 
نفضت سيجارتها بعذوبة أصبعين رقيقين في منفضة السجائر الفضية،  ثم راحت تبحث في رأسها عن وقائع الأمس المنسية..وجهها مختف في الزاوية المظلمة و تنظر إلى ضوء الشمس فوق الطاولة و دخان السجائر يتصاعد كثيفا منسابا يتهادى أزرق اللون .
 
لريجيس عادة غريبة، فهو لا يبول أبدا في مبولة مرحاضه الزاهي، بل يفرغ مثانته في قارورات شفافة متراصة بعناية..كثيرا ما اتهمته ماتيلدا بالحمق حينا، وبالبخل حينا عندما خمنت أنه يقتصد ثمن الماء،  إلى أن قال لها ذات سهرة مخمورة
 
- بولي ماء راق يا ماتيلدا، لونه لون العسل الصافي..لولا حرقة البول لحبسته في نفسي أمتلئ به حتى أصبح كالبالون
ثم قهقه ملوحا بكأس الويسكي في زهو ثم أضاف و هو يختنق من الضحك :
-أضن أنني عندما كنت في رحم أمي كنت أسبح في بولها
ضحكت هي الأخرى و هتفت به :
- مقرف
 
لكن هذيانه جعلها تصمت قليلا و كأس الويسكي قرب شفتيها، أعادته ببطء فوق الطاولة الزجاجية ، ثم قالت :
- أنا متأكدة أن الرجل ليس سوي طفرة معيبة من جسد الأنثى لحاجتها البدائية للعضلات..رغم ذلك احتفظت الأنثى بدورها المتفرد باحتضانها للحياة و باقي جسدها يعمل تماما كجسد الرجل..تقدر المرأة أن تعيش بجسدين و لا يملك الرجل البئيس إلا عضلات كبيرة ككل الاختراعات القديمة..
 
بقي هو غارقا في كرسيه الأبيض لا يظهر تفكيره على وجهه،  فقط عينيه اللامعتين في ضوء الشمع يبدو عليهما إرهاق الحياة
 
-  يمكن للمرأة أن تفتخر بأنها خرجت من نفسها.. لكن هل يخرج الرجل من نفسه ؟
قهقهت و هي تسكب الكأس في فمها ثم أضافت :
- يخرج الرجل دائما من المرأة هاهاهاهاهاهاها
ثم أضافت كالمنتصرة :
- يمكن للمرأة أن تفتخر أنها ترضع نفسها بنفسها، ولكن هل يستطيع الرجل أن يرضع نفسه ؟
عادت تقهقه بهستيريا كأنها توجه له الضربة القاصمة :
- يرضع الرجل دائما من ثدي المرأة هاهاهاهاهاه
 
قال لها بصوت قادم من جوفه :
- افتخري كما تشائين ..لكنك لن تملكي العصا السحرية التي نملك،  و سيظل بيضك ينتحر كل شهر، ما لم يتدخل أحدنا نحن الرجال لإنقاذه ..
ثم قهقه و هو يضرب بيديه الطاولة و يختنق بالدموع..
 
ظلت ساهمة تتذكر مهاتراتهما و هم يسكرون كل سبت حتى يذهبوا رويدا رويدا إلى الفراش..أحست كم تحبه وكم تخاف عليه..نهضت متثاقلة و في رأسها رغبة في دوش ساخن
 
 
.طنجة 10-01-2011

022154 

 

Partager cet article

Repost 0