Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

القطار و الرباط وأنا

كان القطار قادما بسرعة بلونه البرتقالي و عيني الوحش المضيئتين. القطار كائن حازم خطه مستقيم و هامته كبيرة. الناس على الرصيف أنيقون مصطفون، كلهم ينظرون باتجاهه بحفاوة و توثب. قطار وقور مشع يفرض على الجميع احترام هديره و جبروته.. كنت أنا أنظر اليه كباقي الناس في داخلي غضب و إحباط و في دواخلي تتردد جملة لا تتوقف " إنهم هناك في الرباط يعتبرون المغرب ضيعة كبيرة من البقر ورثوها عن الأجداد"..يقترب القطار و أتذكر أنني سأعود خاوي الوفاض من قضية إدارية عالقة ما بين السماء و الأرض..بقيت ثمانية أو عشرة أمتار ثم خطرت عندي فكرة " ماذا لو دفعت بجسمي اليه الآن ".. لايزال القطار بعيدا و يمكن المرور الى التنفيذ..بقيت تقريبا ثلاثة ثواني و يجب أن أقرر و أنفذ بسرعة..ثانيتين..علي أن أقرر هل لازلت أرغب في أن أبقى في قاعة الإنتظار أم أصفق الباب ورائي و أذهب في رمشة عين الى الفراغ الامتناهي لأسبح في الهيولى مع الذرات الخامدة تاركا ورائي تلك المشيمة اللحمية منثورة أشلاء و المسافرون يصيحون يغمى عليهم و يتحسرون..

أخذتني تلك الغيبوبة اللذيذة و أنا أسبح في الأفكار الإنتحارية،. صرخ القطار أمامي بقوة و توقفت أنفاسه عند أقدامي فاستفقت، ثم أخذتني غريزة التدافع التي تجد نفسك فيها عندما يتوقف القطار و ليس هناك صف و لا هم يحزنون.. كلهم كانوا يتدافعون و يهرولون الى أحشاء القطار و أنا هرولت مثلهم.. جسلت في إحدى المقصورات و في داخلي ما يشبه لذة الإنتصار وبعض من شعور بالذنب لأنني تصرفت كالبغل أمام البرسيم..

صعدت الى القطار و كان أحدهم في المقصورة ممدا على أربعة كراسي، نازعا حذائه ويتصنع النوم وقد جعل المكان مضوعا بعطر قدميه المباركتين. طلبت منه بحزم أن ينزاح عن كرسي لأجلس، فنهض متناوما فتفاقمت رائحة قدميه في المكان واختلطت مع روائح الطعام و النوم و الإنتظار.. جلست منزعجا للغاية و أنا أشعر بالإهانه. كان علي أن اختار بين البقاء أو البحث عن مقصورة أخرى.

الحياة متعبة، طوال الوقت يجب أن تختار و تقرر بسرعة و أنت منذ البداية لم تقرر أن تكون هنا.. بدى لي ساعتها البحث عن مكان جديد و الناس لا تزال تبحث عن مقاعد فارغة مغامرة كبرى غير محمودة العواقب قد تنتهي بي واقفا في الممر طوال السفر. لذلك قررت بخشوع و تضحية و تعقل أن أتعايش مع الإحباط و أضيف عليه بنكران ذات فضيع عطر الأقدام المسافرة التي لم تستأذن أنفي و أعلنت العصيان على الهواء النقي..

قلت في نفسي ما هي الا بضع دقائق و ستتخذر حاسة الشم عندي، نظرت الى بقية من كان في المقصورة لقد تعايشوا هم أيضا و ملامحهم مرتخية منشرحة و منتشية..

تحرك القطار ببطء على نغمات الصوت الأنثوي الرخم الذي يتردد وراء الزجاج يخبر المسافرين بوجهات القطار و يشكرهم على تفهم التأخير..لقد انتقل عالمي الآن الى داخل المقصورة الضيقة. أنا بطبيعتي إنسان غير اجتماعي تتفاقم عندي الفوبيا من الغرباء عندما أكون مجبرا أن أكون محشورا وجها لوجه مع أناس لا أعرفهم.

أحجامهم مختلفة يتمايلون مع حركات القطار، ينظر بعضهم الى بعض ببلاهة، بعضهم يحدق في الزجاج أحدهم كان ينظر الى السقف ثم ينام دقيقتين ثم يستفيق ثم ينظر ثانية الى السقف. ثم يثرثون قليلا هكذا بلا مقدمات. يفتعلون مواضيع تافهة عن المطر و الزكام و الفلاحة و الأخلاق و قوس قزح و ثمن البصل ووو..زمن ثقيل يخيم داخل المقصورة..و بما أنني لم أتكلم في أي واحدة من تلك الموضوعات اللامتناهية فقد شعرت بالنظرات تتركز حولي. صرت متهما بالصمت فتفاقمت الفوبيا عندي و لم ينقذني منها سوى موسيقى هاتفي وضعتها في أذني و كتاب أخرجته من محفظتي دفنت وجهي فيه...

- رشيد عنتيد

17-01-2015

Partager cet article

Repost 0